المرافعة.. فتحي إسماعيل

فتحي إسماعيل

يرنو طويلاً إلى هذا الكائن المنتصب أمامه كتمثال، يحاول “فكفكة”روحه من تعلّقها، بإلقاء نظرة خاطفة إلى القفص، ولكنه سرعان ما يستجيب لنداءٍ خفي، فيترك عينيه تحطّان كعصفور، كاد الظمأ أن يقتله، على الكيان الملائكي، فينهل من نبعٍ صافٍ رقراق، يبلل حنجرته بلعاب يزدرده خطفاً كي لا يلحظه أحد، بينما عصفوره العابث اللاهي لا يردعه رادع عن التجوّل بأنحاء هذا الوجه الوضّاء، وهو يتنقل بينه وبين أوراق ينظر إليها فيترك لجفنيه فسحة من الوقت، كي تنام لتكتمل الفتنة، وتستمر الروح في تعلّقها، يرتفع الهدبان فجأة فيجفل، ويحاول الهرب بنظرة خاطفة أخرى نحو قفص المتهمِ.

تمنّى في تلك اللحظة أن يكون مكانه، أن يحظى مثله بكل اهتمامها، أن ترمقه بنظرة كتلك التي ترمق بها موكّلها، يجلس على منصّته متوسطاً زميليه، مواجهًا جمهورًا عريضًا يهابه وينتظر كلمته، وهو ينتظر منها فقط.. نظرة.

عيناه كعصفور تتمسّحان بأنفها السامق كأنف “أفروديت”، وخديها الأسيلين كالمرمر، وشفتيها المحيّرتين اللتين تحركهما علوّا وانخفاضاً، تنضمان فتنسحب روحه منه ليموت برهة، تنبسطان.. فيعود.

عقود مرّت وهي ترمز للأنثى في مخيّلته، حين كان يحكي له جده حكاية “ست الحسن” كانت هي، وحين سمع عن عروس البحر لم يكن يتخيّل غيرها، وكلما قرأ عن امرأة تخلب ألباب الرجال كانت صورتها الأقرب والأمثل.. حاضرةٌ هي بذهنه في كل أخبار النساء.

منذ مولدها وهي حلوة، بطعم الفاكهة التي كان يأكلها في بيتها الواسع المرتفع عن أرض الشارع، بحديقته الصغيرة التي تحيطُه من ثلاثة جوانب، يومها كان يلهو كما اعتاد كل صباح بجوار السور، حين دعته صاحبة البيت الجميلة، كي يشارك أطفال الحي في سبوع ابنتها، فأحب الاسم الجديد “غيداء”، كما أحب البيت الكبير بلونه الأبيض وأبهته، وأرضيته اللامعة، والنجفة الكبيرة التي تتوسط القاعة الفسيحة بداخله.

وحين عاد إلى بيتهم البسيط، جلس على حجر أمه وأخذ يتأمل حوائط منزلهم، وبابور الكاز الذي يئن تحت حلة الكرنب، فتنهّد حزناً وكره الكرنب.

لا يذكر طفولته قبلها، ولا ملامح لألعاب طفولته إلا بها ومعها، كان حصاد يومه ليربو وينام قرير العين، إذا مرّ اليوم وقد حظي بلمسة من يدها ولو صدفة.

خربشاته الأولى في الشعر كانت كلها لها، وأول صفعة كانت بسببها، حين ضبطه المدرّس شارداً في منتصف قصيدة يكتبها، على ظهر كتاب.

كم مرة وقفت كلمة “أحبك” على حافة لسانه دون أن يجرؤ على نطقها، لعلها بعدد النظرات التي كان يرنو إليها بها، أو لعلها بعدد الثواني التي مرّت وهما يلعبان سوياً أو بصحبة أطفال الحي.

لذلك تخيّر القسم الأدبي من أجلها، ودّ لو أصبح شاعراً ليبوح بما عجز لسانه عن قوله، فأراد دراسة كل الشعراء منذ أخْتِرع الشعرُ حتى مولدها.

لكن أباه أصر على دخوله كلية “الحقوق”، كان لإصرار والده الدافع الأول لتغيير رغبته، أما الدافع الثاني فكان غياب ملهمته وابتعادها مع أسرتها عن الحي بأكمله، بل عن المدينة كلّها، نظراً لانتقال والدها لدرجة وظيفية أعلى.

ندم حينها على كل فرصة واتته ولم يقل فيها “أحبك”، لم يغب وجهها المليح عن ليله المسهّد، ولا عن صفحتَىْ كتاب يقرأه، حتى تخرّج في الجامعة بتفوّق، دون أن يذكر أيّ وجه لفتاة زاملته أو التقاها في وسيلة مواصلات، أو حتى سكنت بجواره في المدينة الجديدة التي انتقل إليها، لم يكن يرى غير عينيها تصحبانه في حله وترحاله.

عيناها ترمقانه بدهشة، وخجل، صمتٌ مهيب يخيّم على القاعة، مئات العيون متعلقة بوجهه الساكن كصنم، المتهم اقترب في داخل قفصه من المنصة، فاغراً فاه، متشبثاً بالسياج الحديدي، يحاول أن يستنطقه.

نظر إلى أوراق أمامه بعيون زائغة، هزّ رأسه.. أخرج منديلاً، جفف عرقه، ابتلع ريقه، نظر في عينيها.. نظر ملياً، ثم.. قال بصوت متهدج:

ـ أستاذة غيداء.. أحبك

لم يلتفت للضجة التي هزت القاعة.. هتف قبل أن ينهض منصرفاً:

ـ رُفِعَت الجلسة.

Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s