الجميلة.. علا السردي

علا السردي

أسدل المساء ستائره مبكراً ورمى بسواده على الأرض، صمت ضجيج السوق وغفا الكلام في الأفواه، واستسلمت البلدة الصغيرة لجبروت النوم، كانت الشوارع المؤدية إلى البلدة وعرة، لكن سائق سيارة الأجرة قد اعتادها وأدرك أفخاخها الصخرية الممتدة على طول الطريق، ومع نزول آخر الركاب، أدار المذياع على صوت موسيقى صاخبة، وقفل أدراجه عائداً إلى المدينة.. بينما ترجل الصبي وأمه وتوجها إلى بيتٍ قديم.

اقتلع الصبي بعض الأعشاب الطويلة من أمام المنزل، حتى يتمكن من فتح الباب الموصد منذ خمسة عشر عاماً، كان الغبار قد تحول إلى طبقةٍ سميكةٍ من التراب، وبدا الأثاث كتحفٍ قديمةٍ معروضة في مزاد، فتح الصبي الشبابيك على مصراعيها وبدأ وأمه بتنظيف المنزل، وبعد ساعتين أصبح المنزل لائقاً بالبشر.. تنهدت الأم بعد أن أنهكها التعب وقالت لابنها:

ـ غداً تقوم باقتلاع الأعشاب وتنظيف الحديقة، حتى تتمكن من زراعة بعض الزهور.

انتبه الصبي إلى شرخٍ في الزجاج فرد وهو يتفحصه بانتباه:

ـ وسأقومُ أيضاً بإصلاح هذا الشرخ.

ـ حسناً الآن اذهب للنوم عزيزي أظنك متعباً.

قالت الأم.

ـ وأنتِ ألن تنامي!

سأل الصبي.

ـ سأفعل بعد قليل، لا عليك مني، اذهب أنت تصبح على خير.

تثاءب الصبي وقبَّل أمه وتوجه إلى غرفته، بينما جلست الأم قرب النافذة تتأمل بلدتها من بعيد، وبالرغم من الإنارة الضعيفة إلا أن بيوت البلدة المضاءة بدت كنجومٍ صغيرةٍ سقطت من السماء، والمنزل يقع على مشارف البلدة في أول الطريق المؤدي إليها، وهو الإرث الذي تبقى لهذه السيدة من والدها، فبعد أن توفي زوجها في حريقٍ التهم منزلهم؛ نجت هي من الموت بصعوبة بينما لم يكن ابنها موجودا في البيت أثناء الحادثة، لم يبق لهما من معيل بعد أن فقدت زوجها ومسكنها، ولذلك لم تجد إلا هذا البيت القديم ليحتضن جسديهما ويقيهما البرد والحر رغم تآكل جدرانه وهشاشة أثاثه.

بدأت جفون السيدة تعلن انهزامها، فأرخت أهدابها وسجدت سجدتها الطويلة ونامت على كرسيها. استيقظت صباحاً على صوت الفأس المرتطم بالأرض، نظرت من خلال النافذة التي غفت بقربها، كان ابنها قد اقتلع الأعشاب وزرع بعض الأزهار، لمحها تراقبه مبتسمة، لوح لها ودخل إلى المنزل.. “صباح الخير أمي، وجدتك قد غفوت على كرسيك فلم أشأ إزعاجك، ورميت على جسدك بهذا الغطاء”.. تنبهت الأم إلى غطاءٍ يلتف حول صدرها وقالت “شكراً لك عزيزي، غلبني النعاس من شدة التعب فنمت”.. تناولا بعض الخبز والجبن ثم غادر الصبي باتجاه البلدة باحثاً عن عمل، وسرعان ما رجع إلى بيته سعيداً يزف لأمه خبر عثوره على عمل عند حداد البلدة.. أثلج هذا الخبر صدر أمه وتمكن من إطفاء لهيب الحزن الذي ما فتئ يذكرها بذلك الحريق، ومضت الأيام مخلفةً وراءها تلك الذكريات مستقبلةً الغدَ ببشاشةٍ وتفاؤل، وراح الصبي يكد في عمله ويجتهد.

كان الحداد رجلاً صارماً، حاد النظرات، كسولاً، يقضي اليوم جالساً على كرسيه الذي يئن من ثقل جسده، وذات صباح وبينما كان الصبي منهمكاً في عمله، تأمله الحداد بنظراتٍ مريبة، بينما كان يضع سيجارةً في فمه وينفث الدخان من فتحتي أنفه كتنينٍ سمين.. “أيها الصبي” قال الحداد.. “نعم نعم سيدي” أجاب الصبي.

ـ لقد مررت اليوم من أمام منزلك، ألست تقطن في أعلى التلة!

ـ نعم سيدي، أعيش هناك مع أمي

رد الصبي.

ـ أمك.. امممممممم”.

همهم الحداد وأشعل سيجارةً جديدة وأكمل:

ـ لمحتها من خلف ستائر النافذة ورفعتُ لها يدي محيياً، لكنها تجاهلتني وابتعدت من أمام النافذة.

ـ أعتذر سيدي ربما لم تنتبه إليك.

قال الصبي وهو يطقطق أصابعه خوفاً.

ـ لا بأس أيها الولد، اذهب وأكمل عملك، على فكرة أمك تبدو جميلة، لابد وأنك تشبه والدك.

أنهى الحداد كلامه وأطلق ضحكةً مدوية، تمكن الغيظ والغضب من الصبي، وشعر كأنه ذلك (الكير) يكاد يصهر الحديد من شدة غضبه، لكنه صمت كأن لم يسمع شيئاً، وفي المساء عاد إلى بيته متجهماً ولم يتناول عشاءه.. تحسست أمه جبينه متسائلة: ما بالك حبيبي أتشكو من شيء!.. “لا أبداً يا أمي ولكني منزعجٌ من ذلك السمين”.. “من تقصد!” سألت الأم.. “إنه الحداد أمي”.. أطرق الصبي رأسه نحو الأرض وتابع “يقولُ إنك جميلة”.. ابتسمت الأم وقالت ممازحة: “وما الذي يغضبك ألا تظنني جميلة!”.. “بلى يا أمي أنتِ جميلةٌ جداً” رد الصبي ورمى برأسه الصغير في حضن أمه.. تناولا عشاءهما وخلدا إلى النوم، لكن الحداد لم يستطع النوم وبدأ برسم صورة تلك المرأة المختبئة خلف الستائر.. جميلة، مكتنزة الساقين، أنفها روماني، شفتاها بلون التوت البري.. أقبل النهار وكانت صورةُ المرأة معلقةً في رأسه الكبير، وفي المقهى ردد أمام أصدقائه ما صور له خياله الأرعن.. سال اللعاب وجحظت العيون وتدلت الألسن اللاهثة وراء الساكنة الجديدة، وكبرت الهمهمات والتمتمات واشتد عودها، تسلقت الجدران وتجولت في زقاق البلدة، وانتشرت بين السكان كانتشار الكوليرا.. “امرأةٌ جميلةٌ جداً تغوي الرجال”، هكذا رددت نسوة البلدة.. وخرجت عليهن عجوزٌ شمطاء لتحذرهن “إنها تسرق منكن أزواجكن، يقولون إن الرجال يعرجون على بيتها كلما قصدوا المدينة”.. أضمرت النسوة الشر واجتمعن على طرد تلك المرأة وابنها.. توارد إلى سمع الصبي بعض الكلام المتناثر من تلك الأفواه، فأخبر أمه، لكنها هدأت من روعه قائلة: “إنها بلدةٌ صغيرة والكلام فيها كثير، دعك منهم يا بني، سينسوننا قريباً”.

لكن النسوة المشتعلات غيرةً لم ينسين، وأرسلن أبناءهن الصغار ليعيثوا فساداً في حديقة منزلها، اقتلعوا أزهارها الجميلة ورموا القاذورات أمام باب بيتها، حتى إذا عاد ابنها من عمله وسألها عن سر خراب الحديقة، أجابته بقلبٍ مفطور “قد تكون قططٌ جائعة أو كلابٌ ضالة لا عليك سينمو الربيع ثانيةً”.. لكن الربيع لم ينم كما توهمت بل نما الشوك والصبار وازدادت القلوب سواداً و حقداً. وما طالت الفترة وبينما الأم تتناول طعام الإفطار مع ابنها سمعا صوت ضجيجٍ في الخارج، نظر الصبي من النافذة فرأى جمعاً من النسوة يقدن جيشاً من الأطفال، كان الأطفال متحمسين لبدء معركتهم بينما وقفت النسوة خلفهن ورددن بأصواتهن الحادة “اخرجي من بلدتنا أيتها اللعينة.. أيتها الساقطة”.. وبدأت الحرب وأطلقت المنجنيقات الصغيرة حجارتها باتجاه المنزل.. تهشم زجاج النافذة وكُسرت أواني الزرع، غضب الصبي وهم بالخروج، لكن أمه أمسكته من قميصه، ضمته إلى صدرها وهمست في أذنه “احزم أمتعتنا يا بني”.. حدق الصبي في عيونها الدامعة وقال “ولكن يا أمي”… لم تتركه يكمل كلامه، احتضنته مجدداً وقالت “أرجوك لم يعد لنا مكانٌ هنا”.. في هذه الأثناء كانت المعركة في الخارج ما تزال تدور رحاها سباً وشتماً وحجارةً عمياء.. أنهى الصبي جمع ملابسه وملابس أمه، وضع حقيبته الصغيرة على كتفه، وفتح الباب، هدأت الحرب وأُخفضت الأسلحة الحجرية واختبأ الصغار خلف أمهاتهم، واستعدت النسوة للجولة الحاسمة.. خرج الصبي من الباب، يدفع أمامه كرسياً متحركاً تجلس عليه أمه، لم تكن قدماها مكتنزتين مغريتين بل كانتا ضامرتين مشلولتين.. لم يكن أنفها رومانياً أو إغريقياً بل كان مفلطحاً وعريضاً.. لم تكن شفتاها بلون التوت البري بل كانتا مجعدتين مشوهتين من أثر الحريق.. شق الابن طريقه وسط ذلك الجمع الغفير من التماثيل البشرية التي وقفت صامتةً بلا حراك، متجهاً إلى الطريق العام، بينما علا صوت سائق سيارة الأجرة منادياً “إلى المدينة، إلى المدينة، إلى المدينة”.

Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s