الخروج إلى النهار.. أزهار أحمد

أزهار أحمد

جاءها صوت صباح من البحر يناديها:

شايفه الدوامة اللي هناك دي؟!..

دي دوامة الحب يا عبيطه..

الحب الخاطف له علامة..

ياخدك ويلف بحور ياما

وأنا أصلي بأحب الدوامة..

الدوامة.. الدوامة!

آه من الدوامات وما تفعله بالإنسان.. فلكل منا دوامته الخاصة به.. يلف فيها.. محاولاً الإفلات منها.. لكن دون جدوى!!

قليلون هم من يلفون في دوامة الحب هذه.. وبالطبع لا يريدون الخروج منها, فما أحلاها من دوامة, إذا كان الحب صادقاً, يملأ النفس بهجةً وسروراً وإقبالا على الحياة, فليهنأ أصحاب تلك الدوامة بدوامتهم وليلفوا معها كل بحورها دون أن يبحثوا عن طوق نجاة مما هم فيه, لذلك هم الفائزون.

وهناك من تأسرهم دوامة الحياة والعمل.. منهم من يحبون ما يعملون ولا يريدون خروجاً منها, وآخرون يكرهون ما يعملون, فيحاولون الخروج منها والسعي في بحورٍ أخرى, فينجح البعض بينما يفشل الآخر ليرفع الراية البيضاء استسلاماً لها, إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً, وهؤلاء هم الأكثرون.

أما الدوامة التي خبرتها هي, فكانت الأكثر فتكاً, تلك التي تسحبك إليها دون أن تدري, ثم تأخذك داخل دوائرها اللامتناهية, وعبث أن تطلب النجدة فيها من أحد غيرك, فلن ينجيك سوى نفسك.. فهؤلاء هم المناضلون, إذ كانت في صراع ظالم, غير متكافئ القوة مع تلك الدوامة الأعظم.. دوامة الحزن!

كانت تجلس في ذلك النهار على رمل الشاطئ، تتسلى بمداعبة الموج المتكسر حولها بأناملها الرقيقة, وتنظر للبحر العميق تزينه دوامات الحب هنا وهناك. كانت تسعد بسعادة الآخرين, وتجد في ذلك سلواها.

سحبتها أمواج البحر دون أن تدري إلى داخله رويداً رويداً, حتى وجدت نفسها داخل دوامة من دواماته, ظنتها حباً, فوجدتها ألماً, ملأها حزناً.

هل خانتها عيناها؟!.. لا, لا.. فقلبها أكد لها صحة الرؤيا, وخفق لها محيياً, ملبياً!

وماذا عن عقلها؟!

فجاءها صوت عميق:

ـ ومتى كان للعقل صوت مسموع, عندما تسحب دوامة الحب إحداكن إلى دوائرها المغلقة؟!

ردت عليه بصوت حزين:

ـ كنت وحيدة, أحس وحشة الفراغ, فإذا بالبحر يهبني أكبر وأجمل دواماته جميعاً, فتركت نفسي رغماً عني لموجه يأخذني إليها. تركت نفسي له وما كان لي أن أغادر الشاطئ أبداً, لكني لم أستطع مقاومة نداء زرقته لي نحو الأعمق.. طالما سمعت عنها وكنت أتشوق لها لكني لم أسع إليها أبداً.. وعندما أتتني ذهبت معها حيث أرادت.. لكن ما حسبته حباً صار ألماً, لم أعد أقوى على احتماله. حاولت مراراً وتكراراً الفكاك من زرقته, والابتعاد بعد جهد جهيد عن دوامته, لكنها كانت في كل مرة تستطيع اجتذابي إليها مرة أخرى, وتحكم عليَّ حلقاتها أكثر من ذي قبل, حتى خارت قواي ولم أعد أحتمل مزيداً من الصراع بين مقاومة البقاء ومقاومة الرحيل.

والآن يا عقلي, ها أنذا.. أسلم إليك زمام نفسي, لتخرجني من تلك الدوامة.

ـ لا أستطيع ذلك, ما دام القلب لا يريد الخلاص من تلك الدوامة. كنتِ دائما تغلّبين إحساس القلب على صوت العقل, ولذلك عليكِ أن تلجئي إليه هو لينقذك مما أنتِ فيه.. جل ما أستطيع فعله, هو أن أطلعك على سر الدوامة, فأنا أعرف أنك تجهلين العوم في مياه البحر الهادئة, فما بالنا بدوامة ثائرة.

قاطعته بصوت مختنق, كغريق متلهف لطوق نجاة:

ـ وكيف السبيل بالله عليك.. خبرني!

فأجابها بصوته الرزين:

ـ الدوامة عبارة عن دوائر متشابكة, كبراها هي تلك التي رأيتِها على سطح الماء, وهي التي تجذب من يقترب منها بقوة إلى حافتها, ومن ثم تطبق عليه باقي أخواتها الصغريات, فلا فرار منهن, إذ أنهن يلتففن حول جسدك فيطبقن عليه من كل ناحية.

ـ وما العمل.. وهذا فعلاً هو الحال الآن, وقد قاومت بكل السبل, حتى خارت قواي, ويئست تماماً من النجاة؟!

ـ المقاومة هي أكبر الأخطاء.. فلا تقاوميها بعد ذلك أبداً.

خذي ما استطعتِ من نفس عميق, واحبسيه داخلك, ثم اتركيها تسحبك لأعمق أعماقها, حيث قلب الدوامة.. ولا تنسي أن تأخذي قلبك معك في هذه الرحلة, فبدونه لا نجاة.

ـ كم أنت عجيب أيها العقل!!.. كيف تقول إنه لا نجاة بدون القلب وكنت أخال أنك أنت المنقذ الوحيد والملجأ الأخير, بعد أن جر عليَّ القلب كل ما أنا فيه الآن؟!

ـ الدوامة مكاشَفَة للنفس, لذلك كلما حاولتِ الهروب أرجعتكِ إليها, وأطبقَت عليكِ الحصار أكثر وأكثر, فيزداد الألم ويكبر الحزن حتى يصبح غولاً يداهمنا وقتما شاء ولا نستطيع عليه انتصاراً.

في رحتلك نحو أعماق الدوامة, غوصي أنتِ أيضاً في أعماقك, وواجهي نفسك مثلما تواجهين الدوامة, وانتصري على ذاتك حتى تستطيعي الانتصار عليها.

أعرف أن ما أطلبه منكِ سيؤدي إلى مزيد من الألم ومزيد من الحزن, ولذلك فهو يتطلب منكِ شجاعة فائقة في الإبحار داخل نفسكِ حتى تصلي إلى القلب.

وكي تصلي إلى القلب, عليكِ أن تصلي إلى أقصى درجات الألم وأقصى درجات الحزن, تزامناً مع وصولك لقلب الدوامة, أضعف نقطة فيها في أقصى عمق لها.. وفي هذه اللحظة سترين قلبك, الذي طالما كان نقطة ضعفك أبدا, متمدداً بإرادته أمامكِ على طاولة العمليات, لأنه لم يعد في استطاعته أن يتحمل المزيد من الألم والحزن, أما أنتِ فستكونين الجَراح الذي يمسك بالمشرط ليشقه, ويُخرج منه من تسبب في كل هذا الألم وكل هذا الكم من الحزن.

ـ أواه!!! لا.. لا.. لا أستطيع!

ـ إذن.. فالموت حزناً في الدوامة هو المصير المحتوم!

ـ ألا يوجد ـ بالله عليك ـ حل آخر غير ذلك؟!

ـ لا.. هذا هو الطريق الوحيد للخروج من دوامة الحزن.. أن تَصلي لأقصى عمق في أحزانها كي يتلاقى القلبان لتُخرجي ما علق بقلبك من حزن وألم جرائها وتتركيه هناك في أعماق قلبها, ثم تغلقي قلبك على جرحه الغائر, وتتحركي بهدوء شديد بأقصى زاوية ميل ممكنة سابحة نحو السطح, فتخرجي إلى النهار مرة أخرى.

ـ ولكني أجهل العوم, وقد لا أرى النور مرة أخرى.

ـ وماذا يضيرك إن حاولتِ؟! فأنتِ في كل الأحوال ميتة!!

 ستغوصين وأنتِ تجهلين الغوص، وستفتحين قلبك وأنت تجهلين الجراحة, وسترين دمه يسيل على جوانبه وأنتِ من يكره الدماء ويرهبها ويخشاها, وسيختلط دمك بدموعك المتساقطة حزناً على قلبك وما أصابه, وعلى خسارتك كنزك الثمين المخبأ داخله, وستخيطينه وأنت لا ترين الإبرة بين أصابعك أين تغرسينها فيه, لأن سحباً كثيقة من الغيم تملأ عينيكِ فتحجب عنك الرؤية, لكن المطر المنهمر سيطهر جرحك الأليم.

وبعد أن تنتهي من أصعب مرحلة في تلك الرحلة العسيرة, سترجعين.. نعم سترجعين سابحةً وأنتِ تجهلين السباحة. وها هي فرصتك في تعلم ما فاتك من دروس البقاء على قيد الحياة في هذا البحر الكبير.

اسبحي بتؤدة, ولا تتعجلي الخروج إلى النهار, فلا زال قلبك يئن من الألم, والجرح لم يلتئم بعد. لا ترهقيه عوماً ولا تعنفيه لوماً, إذ يكفيه ما فيه.

تذكري كلماتي جيداً, واحفظيها عن ظهر قلب, فهي بوصلتك في ظلام الأعماق الحالك السواد, ودليلك الوحيد في هذه الرحلة الأليمة, وهي زادك من الهواء الذي يجب أن تختزنيه داخل روحك وتتصرفي فيه بحكمة, حتى لا تفقديه قبل أن تصلي للنور.

فإذا ما استطعت الخروج إلى النهار مرة أخرى, ستجدينني في انتظارك هاهنا على تلك الصخرة البعيدة, وسط الزرقة المحيطة, لنجلس عليها في أمان بعيداً عن رمال الشاطئ الناعمة وأمواج البحر الساحبة, نتأمل الدوامات من جديد معاً.

Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s