رأس الديك الأحمر.. أحمد الخميسي

أحمد الخميسي

قبضتان ضغطت جناحيه بقوة إلى جنبيه فأحالته إلى كتلة مدمجة لا يتحرك منها سوى الرأس بمنقاره يضرب يمينا ويسارا بجنون. اجتهد ليتملص من القبضتين مهتاجا بحب البقاء. حث جناحيه على الرفرفة بدون جدوى. لحظة، هوت بعدها السكين على عنقه بضربة باترة فصلت رأسه. طار الرأس في الهواء مسافة ثم هوى على الأرض، تقلب متدحرجا حتى سكنت حركته تحت حافة الثلاجة. راحت العينان الضيقتان اللامعتان تحيطان بالمشهد أمامها، تتابعان خيط الدم على البلاط الأبيض، تلاحقان تخبط البدن  بين قدمين راسختين.

دم لم ينزفه الجرح بعد واصل مسيرته في الدماغ وفي البدن المفصولين. يحدق الرأس مذهولا بجثمانه وهو ينهض متحاملا على مخالبه وساقيه وفخذيه. ينفش الجثمان ريش صدره ويتقدم خطوة وحده من دون رأسه. يتمايل. يضغط على مخالبه ليحفظ توازنه. يلتفت إلى اليمين. يتوقف متجمدا. بركة دم صغيرة تجري حول مخالبه. يشرئب نصف العنق المفصول متلفتا بالغريزة بحثا عن طريق.

يرمق الرأس ساقيه بعيدتين عنه ترتجفان. هما ساقاه، وهذا صدره الذي طالما شق الهواء من أعلى سور البيت القديم، والريش البني الأقرب للأحمر، ريشه، اختال به بعد معاركه مع الديوك الأخرى. يشتعل الرأس رغبة في الزحف إلى بدنه. تغدو الرغبة جارحة من اليأس فيرتد إلى ذكرياته. فجر القرية وهي تفيق على صيحته، هواؤها، سماها. الغيطان المفتوحة أمامه. الوثب إلى حافة بئر المياه. الدجاجات يحطن به في نصف قوس في مشيه وفي جثومه حين تعتم الدنيا. الزرع الذي يبس فجأة من حوله. الكلاب التي ضمرت. اليد القوية تختطفه وتزج به في قفص. تسوقه إلي مكان بعيد. العش الغريب. منقاره وهم يقصونه بآلة حادة. فتات الطعام. حلمه مئات المرات أن يستعيد حريته. بدنه كان يتردد ويطوي جناحيه على السلامة. الآن يتفجر البدن وحده بالمهانة المختزنة طويلا. يهتاج ثائرا يفتش عن منفذ. يخطو بمفرده متخبطا. يرتطم بساق سلم خشبي على الجدار. يكاد أن يقع. يشد عضلاته ليظل واقفا. يندفع غير آبه. يصطدم بماسورة تحت حوض الماء. يتمهل. ترتعش كل خلية فيه بغريزة التفكير.

الرأس ملقى قرب حافة الثلاجة بعرفه الأحمر يرى طريق النجاة. الباب! إذا عبر البدن من الباب سيسترد حريته وشموخه. الباب. ابتهل الرأس إلى الرب أن يمنحه لحظة واحدة مع بدنه ليبثه الرسالة. الباب. لكن خيوط الدم توشك أن تنهى دورتها الأخيرة في الرأس. يشعر بعطش قاس. بضعف. بدوار. باختلاط الرؤى والرغبات والذكريات. بحاجته الماسة إلى دفء بدنه وحرارته. تتباعد ومضات عقله وتبهت. تغيم بينه وبين بدنه المسافة القصيرة من البلاط الأبيض.

فجأة، انفلت البدن. رفرف لأعلى. دار في الهواء دورة عجيبة غير متوقعة. خفق جناحاه بين الأرض والسقف. اندفع إلى نافذة مفتوحة وانطلق منها إلى الحرية.

تطلع الرأس إلى النافذة بنظرة خابية. لقد نجا؟! نجا! كيف لم تخطر النافذة على بالي؟!

ينطفيء لون العرف الناري على البلاط الأبيض. يحشد الرأس كل ما تبقى له من ومض. يتسمع جناحيه في الهواء البعيد. إنه أنا من دوني! فكيف حدث ذلك؟

Advertisements

One response to “رأس الديك الأحمر.. أحمد الخميسي

  1. القصه تفتقد للواقعيه المتجاهله للراس الذكوره عموما القصه جميله وعفارم عليك

    إعجاب

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s