عربة السيدات.. سهى زكي

سهى زكي

1

يزج بجسده المجهد داخل العربة المخصصة للسيدات، تنزعج النساء وكأنه فحل دخل عاريا وتتعالى أصواتهن متحدة:

ـ أخرج يا حاج من هنا دي عربية الستات

ـ أنا مش هاخرج من هنا.

يخرج شهادته من شنطة بلاستيك، داخل كرتونة داخلها جريدة، يرجع تاريخها للسبعينيات عليها صورته، وهو يتسلم شهادة تقدير، ويشهرها في أعينهن الباردة وهو يقول لهن بعنف:

ـ أنا اللى حررت البلد دي، أنا السبب، قوم لما صوتكم يعلى يعلى عليا انا … ستات إيه ورجالة إيه إحنا زمانا مكنش فيه الكلام ده، لا رجالة ولا ستات.. إحنا كانوا ستاتنا أشرف ستات، وكانوا بيمشوا في الشارع بالقصيّر والمفتوح، وكانت الرجالة نفسها لا تجرؤ على النظر بشكل مش تمام على الستات، كنا متربيين والستات كمان مؤدبات، ومكنش فيه حادثة تحرش ولا اغتصاب واحدة، كنا نركب أتوبيس 7 من العمرانية للعتبة، وزحمة اد كدا ومع ذلك لو واحد اتجرأ ولزق في واحدة، كان الأتوبيس كله يعجنه ويرميه برا الاتوبيس فورا.

ـ بطل تخريف يا حاج انت مش عايش في البلد ولا إيه، إحنا دلوقتي عرفنا ربنا وعرفنا يعني إيه الحلال والحرام خلاص، واللي انت بتقول عليه دا كان زمان، دلوقتي الحرمان والخوف بيخلوا الراجل لو شم كلبة يجري وراها.

ـ حرام وحلال إيه؟ إحنا عمرنا ما كنا بنفكر بالحلال والحرام، إحنا كنا بنفكر بالأصول والذوق والأدب والتربية الصح.

 

2

سيدة منقبة تتحدث من تحت النقاب:

ـ لعنة الله على التحرير، ومن حرر.. أنتم آذيتونا، يا ريتنا فضلنا ملكية، كانت الستات محترمات يمشوا في الشوارع بالبراقع والملاءات الطويلة.. كان زمن محترم الله يلعن قاسم أمين على أمينة السعيد، هما دول السبب في قلة الأدب اللي احنا فيها دلوقتي.

تقاطعها فتاة ترتدى إيشاربا صغيرا على بنطلون جينز ضيق، وبادى يخرج صدرها منه بسهولة:

ـ أنا صحيح مش عارفة إيه الناس اللي بتتكلم عن الحرية دي، الحجاب ده فرض علينا كلنا ولازم نلبسه.

يصرخ الرجل فيهم وكأنه مصاب بمس:

ـ حسبي الله ونعم الوكيل، انتم عقول فارغة مش فاهمة حاجة، بقولكم أنا حررتكم، تقولوا عايزين نبقى عبيد، خليكم عبيد وانا مش هاخرج من هنا، واللي هتفتح بقها معايا هاقولها انا مين، أنا اللي حررت البلد من الإسرائيليين انتم إيه في غيبوبة؟.. هو الاستعمار جه تاني وانا نايم ولا إيه، بس دا استعمار أهبل شوية ومتخلف، استعمار في الدماغ والروح مش في المكان، الله يحرقكم دا خسارة فيكم الدم اللي راح يا بلد.

يقف المترو في محطة أنور السادات، ينزل الرجل وهو يصرخ: يا خسارة الدم اللي راح ، يا خسارة الدم اللي راح، يا خسارة الدم اللي راح.

 

3

تعود عربة السيدات لهدوئها المقزز، حيث اختلاط روائح العرق المنبعثة من أجسادهن التي تكممها الطرح الغليظة، والفتيات اللاتي خلعن الطرح لضبطها بدقة بعد وضع كريم الأساس والمكياج المبالغ فيه، وهن يقلن لبعضهن:

ـ الراجل خرّف يا عيني، الحرب هبلته، لسّه فاكرنا في استعمار.

يخرج صوت فتاة من آخر المترو:

ـ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا اخواتي، قولوا معي: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، يالا معايا دعاء الركوب.

أنظر لها بتعجب، وهي تجاهر بإيمانها وتجبر الأخريات على قول مثلها، تحادثني من تجاورني:

ـ ليه مش بتقولي معانا؟

قلت لها: أقول ليه بصوت عالي، أنا حرة.

قالت: لا إله إلا الله، انتي مش مسلمة ولا إيه؟

قلت: وما علاقة ما تفعله تلك البنت بي، إذا كنت مسلمة أو مسيحية، هي تعاني من رغبة في الإعلان عن نفسها، وأنا أقدر لها ذلك، ولست مجبرة على اتباعها.

قالت: انتي مسيحية؟!

قلت: هو المترو ده للمسلمين بس؟!

قالت: لا طبعا.. يعني انتىي مسيحية؟!

قلت: مش مهم أنا إيه، المهم انتم بتعملوا كده ليه؟

قالت: لاحول ولا قوة إلا بالله.

وهي تضم صوتها للأصوات التي تردد أدعية كثيرة في المترو، وتنظر لي بغضب واشمئزاز، وتحدث السيدات عن استيائها مني أنا الرافضة للانضمام لهن.

وصلت محطة عرابي، وأنا أتأهب للنزول سمعت إحداهن وهي تهمس لأخرى: دي شكلها مسيحية، ربنا يهدي.

***

سؤال: هل كان الجاسوس الإسرائيلى مندساً في عربة مترو السيدات؟

Advertisements

One response to “عربة السيدات.. سهى زكي

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s