“رسائل البحر”.. سينما التشكيل والحلم

حميد عقبي

حميد عقبي

فيلم “رسائل البحر” للفنان والمخرج الرائع داود عبد السيد من أروع الأفلام العربية الأخيرة، والذي للأسف وجد سوء فهم لدى الكثير من النقاد واعتبره البعض أقل جودة من فيلم “الكت كات” أو فيلم “أرض الخوف” ومثال لذلك ما ذكره الناقد أسامة الشاذلي في مقال له بعنوان “رسائل البحر التي لم تصل” واعتبر الفيلم عبارة عن نقطة ندى من مخرج كنا ننتظر منه غيثا بعد غياب طويل، لعل الذين يبحثون عن حكاية درامية وخط سردي متسلسل لم يعجبهم الأسلوب، والبعض يعتبر أن المنهج التشكيلي الصوري الفريد كان له أثر سلبي ومزعج حسب بعض الأطروحات.

في فيلم “رسائل البحر” لغة سينمائية ساحرة مفعمة بالتشكيل والحلم، وعودة إلى جوهر السينما باعتبارها صورة متحركة تثير الخيال والدهشة وليست حكاية مسلية أو أحداث أكشن ومشاهد إغراء، ويمكننا أن نتوقف مع العديد من النقاط المهمة لمحاولة تلمس سحر هذه اللغة وجاذبيتها.

* اعتمد المخرج تقنية الإكثار من اللقطات الطويلة ليس لغرض عرض حدث، بل نزعة للفن التشكيلي والفوتغرافي.. كانت الصور واللوحات مدهشة اشتغل عليها بشكل جمالي، واهتم بأدق التفاصيل وخاصة الإضاءة والألوان.. كانت أغلب اللقطات الطويلة دلالات ذات عمق إنساني حتى في اللحظات التي لا نرى فيها أي شخصية تتحرك داخل هذه اللقطات، فهي قراءة للصراع الداخلي في عمق الشخصيات، وهي تعكس مدى الاضطراب والقلق النفسي والروحي.. هي صور حالمة وهي أيضاً قراءة للواقع بصورة ذكية وغير مباشرة.

* الاشتغال على الفراغ كان مدهشا.. ففي الكثير من اللقطات تبدأ اللقطة بمكان فارغ خالٍ من العنصر البشري ثم نرى الشخصيات تدخل الكادر، ثم تغادره لنعود إلى مكان فارغ.. الاشتغال على الفراغ بهذا الأسلوب الجمالي الفائق قليل ونادر في الأفلام العربية.. لو تأملنا بشكل دقيق سندرك أن روح الشخصية تظل في المكان الفارغ.

* الاشتغال على ما هو خارج الكادر كان محفزًا وأسلوبًا شاعريًا ممتعًا، فمثلا يحيى يعشق تلك النافذة التي يصدر منها عزف موسيقي ولحن شجي، تسلبه هذه الموسيقى عقله، يظل مرتبطا بالنافذة وما وراء النافذة، لم يكشف المخرج لنا من الوهلة الأولى شخصية نورا التي تعزف وتعاني من الوحدة والضياع، حتى عندما يرتبط يحيى بنورا بعلاقة حميمية وعاطفية، يظل يُحلق في النافذة، يتسمر أمامها ليسمع ذلك العزف، يتألم لغيابه وانقطاعه في بعض الأحيان.

* العناصر الطبيعية مثل البحر والمطر كانت حاضرة بقوة وجزءا هاما وجوهريا وذات دلالات إنسانية خلقت نوعا من الأجواء الأسطورية والميتافيزيقية، فالبحر بصخبه أحياناً وهدوئه كان ملجأ الشخصيات وملاذها، عندما تهرب من الواقع وقسوته، أو حتى تهرب من قلقها وهواجسها، هو مساحة للحلم وأشبه بشاشة عرض، فمثلا عندما تكون نورا مع يحيى بالقارب ونرى أن القارب يهتز في موقف رومانسي مدهش، تفصح نورا عن شعورها باللذة وتقرر النزول للبحر فتتجرد من ملابسها، ترمي بنفسها في البحر ثم يتبعها يحيى فيصبح البحر مساحة للذة، في بعض الأحيان نرى أن البحر يصد الشخصيات ويحصرهم، في بعض الأحيان نشعر أنه غاضب منهم! مثال لذلك عندما يفشل يحيى في الاصطياد بسبب غضب البحر، يظل يعاني من الجوع إلى أن يسقط مغشياً عليه من التعب والإرهاق، هنا للبحر دلالات قوية وهو أشبه بالإله الذي يمنع ويمنح، يعطي ويسلب ويضحك ويغضب فهو قوي، قاهر، وهو أيضاً كريم ومتعاطف.

وكذا كان للمطر حضور شاعري موحي فهو أسلوب فني لإحداث بعض التغييرات اللونية والتلاعب بالإضاءة، ليجعل الصورة أكثر قتامة في بعض الأحيان، ويعمق الشعور بالوحدة والقلق، رغم أن حضوره الصوتي كان خافتا في الكثير من الأحيان إلا أن هذا الإجراء ربما كان ذا استخدام غير مألوف ومغاير للأسلوب الكلاسيكي الذي يخلقه صوت الرعد المصاحب للمطر، أو صوت هطول المطر، ومع ذلك يمكننا أيضاً أن نشعر بموسيقية المطر ولكن الأكثر من ذلك أن المطر كان يضفي أجواء سحرية حالمة للمكان، أداة قد تنفصل الشخصية تحت أجوائها عن الواقع للإبحار في المجهول، مثال على ذلك (يظل يحيى تحت المطر يستمع للعزف الموسيقي ووجهه ونظره نحو النافذة، نشعر أنه بانفصاله عن العالم الواقعي واندماجه بعالم خيالي غير قادر على اختراقه فيزيائيا، عندما يحاول فعل ذلك يعاقب، يتم الإمساك به بتهمة السكر والسطو) المطر أيضاً كان العامل والعنصر الذي ربط بين يحيى ونورا، أي ربط الشخصية بما كانت تحلم برؤيته، ففي مشهد ممطر يكون يحيى بالشارع ونورا تسير بمظلة، تعرض عليه السير معها تحت المظلة وهنا تبدأ علاقتهما.

* نلمس روعة استخدام الأدوات بشكل تعبيري، مثلاً الزجاجة التي يكون بها الرسالة يعثر عليها يحيى، أو لنقل يستلمها من البحر، ويعجز عن فك رموزها وقراءتها، الأهم من ذلك أن هذه الرسالة لم يتم استغلالها بشكل درامي باعتبارها عنصرا تدور عليها الأحداث، كما يحدث في أفلام المغامرات، بل ظلت حاضرة وتم تفسيرها بصور غير مباشرة عبر الأحداث والاكتشافات الداخلية للشخصيات التي تتفاعل وتتصارع مع المجهول، والمهددة من الواقع، فمثلاً (ابيل الفتوة صاحب الجسم القوي يكتشف أنه مصاب بورم خبيث، وأن عملية استئصال الورم قد تجعله يفقد الذاكرة، يفر من غرفة العمليات إلى البحر)، هنا يكتشف خوفه ليس من الموت بل من حياة جديدة قد تجعله يقتل ويعتدي على الناس مرة أخرى).. غموض الرسالة والعجز عن قراءتها بصورة مباشرة هو نزعة للعالم الميتافيزيقي وقوته وضعف الإنسان في الكثير من الأحيان على فهم بعض الظواهر الغيبية، فهذا العالم مصور بشكل مادي وحاضر لكن فهمه فهما كاملا يظل محركا للتفكير والتأمل، كان من الرائع عدم إظهار الكتابة الموجودة بالرسالة وتصويرها بلقطة قريبة، لأن ذلك كان قد يسبب إبطال مفعولها وتأثيرها كدلالة.

* تكرار بعض الأدوات مثل النافذة، ربما أساء البعض فهمها باعتبارها عامل تشويش، ولكن لو تأملنا سنجد أنه تم استخدامها بشكل مبكر في بداية الفيلم، كانت أشبه بستارة المسرح للانتقال من مشهد إلى آخر ومن حالة إلى حالة، فنرى الشخصية أي يحيى في البيت القديم يغلق النافذة، ثم مع فتح النافذة نجده في شقة الإسكندرية، هي وسيلة للنظر إلى العالم البعيد من خلالها نكتشف البحر من وجهة نظر الشخصية، فالنافذة هنا أداة لتأمل العالم المادي وهي منفذ لرؤيته، وهي من ناحية أخرى ذلك المانع والساتر والحاجز الذي يخفي عالما آخر مجهولا، يحيى يظل ينظر للنافذة، يحس بما وراءها ومتعلق بها لكنه عاجز عن اختراقها، والنافذة أيضاً كشفت واقع بعض الشخصيات مثلا (نورا بعد أن ينتهي الزوج من ممارسة الجنس معها، تغادر السرير وبعد الحوار نرى لقطة للنافذة من الداخل وتتحرك الستائر كأنها صورة أخرى لموج البحر، هنا نكتشف الوحدة والضياع لهذه المرأة وأنها فعلا تعيش في سجن مرعب).

من الملاحظ أن القوة في الفيلم للصورة، والحوار كان عاملا ثانويا وقليلا لكنه كان معبرا ومثيرا للإحساس، يكشف عن مخاوف واضطراب الشخصيات وقلقها من المجهول، ففي المشهد الذي يعدد فيه ابيل أسماء أصدقائه، يطلب من زوجته أو عشيقته أن تذكره بهم قبل العملية نُحّس بالشخصية وصفاء روحها وبساطتها، أغلب الشخصيات تتحدث بشكل هادئ، تلعثم الشخصية الرئيسية خلق إيقاعا خاصا ليس لغرض كوميدي وليس لإثارة الشفقة والتعاطف مع الشخصية، ولكن المخرج ذهب أبعد من ذلك ليجعلنا نُحسّ بروح الشخصية، ابتعد المخرج عن الصراخ والزعيق.. الحوار كان له إيقاع جذاب، كان للصمت حضور جيد، وقليلة جداً هي الأفلام العربية التي تشتغل على الصمت بطريقة فنية موحية، يمكننا أن نعتبر هذا الفيلم من النماذج الرائعة للاستخدام الجمالي للصمت، حتى عناصر الطبيعة مثل أمواج البحر والمطر هي الأخرى تتحدث بهدوء، حتى في لحظات غضب البحر، عندما يتم صيد السمك بالديناميت فنحن لا نسمع صوت الانفجار، نُحس بهذا التعسف على الطبيعة بواسطة الصورة بظهور الأسماك تطفو على سطح البحر، الشخصيات تتألم وتبكي بحرقة في صمت، تثور وتعرب عن لذتها وفرحها في أجواء صامتة أو خافتة عبر تعابير الوجه وإعطاء مساحة للاشتغال على الجسد الإنساني.

* التكنيك السينمائي المتبع في الفيلم يميل إلى الشاعرية أكثر من الحدوتة القصصية، نلاحظ القطع يتم دون المضمون، تجزئة للحكاية وخلط بعض الأحداث بعضها ببعض، فالتشتيت والغموض محاولة للخروج من دائرة القصة، لعلنا هنا لا نكتشف الشخصيات دفعة واحدة، ولا يتعب المخرج نفسه في استغراق وقت كبير في مقدمة والبحث عن الجذور الاجتماعية للشخصيات، ولا يعني ذلك أن الشخصيات منقطعة ومبتورة وغير متكاملة البناء الفكري والاجتماعي، لكن العرض لها كان بشكل غير مألوف بالسينما العربية، وخصوصا الأفلام المنتجة حديثا التي تشتغل وتعرض الشخصيات بشكل مباشر عبر أحداث منسقة، ومترابطة يحكمها المنطق، وهي تسير وفق حبكة معقدة وحل وانفراجة ونهاية سعيدة أو حزينة، ولكننا عبر هذه الشخصيات يمكننا الإحساس بأننا أمام لوحة إنسانية متكاملة نستطيع أن نجمعها، ونفهمها، كل واحد منا حسب تجاربه وثقافته، كل شخصية ظهرت هي دلالة لشريحة مثلا، فمثلا المرأة الإيطالية العجوز هي إنسانة ارتبطت بمكان، أي الإسكندرية، وتشعر بالحزن لمغادرة الشقة تحت ضغط تهديد صاحب البيت، وتعترف بأنها اسكندرانية أصيلة، وكل شخصية من شخصيات الفيلم لها أسلوبها، لها أفكارها وأحلامها ومخاوفها، وأطماعها في الحب والحياة، هي تبحث عن الأمل والسعادة رغم المنغصات والتغييرات الاجتماعية، وهي على استعداد للثورة على بعض التقاليد والقوانين، وخصوصا صورة المرأة، فمثلا كارلا فشلت في أغلب علاقاتها العاطفية مع الرجال، وعودة يحيى الحب القديم لن يكون بداية لعلاقة جديدة مع رجل، في معملها سرعان ما تشعر بانجراف عاطفي مع امرأة أخرى، وتسير مع هذا التيار لترتبط بعلاقة معها، خلال الباب الزجاجي يقف يحيى بعد أن يسمع الضحكات بين كارلا وصديقتها، نشاهد مرور جسد أنثوي عارٍ عبر الباب الزجاجي، ثم نشاهد كارلا مع صديقتها تتقاسمان أنفاس سيجارة.

لا نعتقد أن عزل الحدث بعدم عرضةه بشكل مباشر ناتج عن الخوف من الرقابة، لكن تأثيره بهذه الطريقة كان أكبر من العرض، هنا الحذف أبلغ من العرض وعودة لجوهر السينما.

لو توقفنا أمام الحاج هاشم، وجه للبرجوزاية والتظاهر بالدين، سنجد أنه رغم ظهوره المتواضع إلا أنه كان كافيا لكشف القناع عن هذه الشخصية التي ظاهرها التقوى وباطنها الظلم والافتراء والتسلط.. الشخصيات جميعها تشكل لوحة موزاييك لمجتمع إنساني تعصف به المتغيرات والأحلام والأطماع والطموحات والمخاوف.

* خالف المخرج أو انقلب على الكثير من الأساليب المعتادة بالأفلام المصرية، قد يُحس البعض أنه أمام فيلم فرنسي أو إيطالي، تم استخدام بعض الأماكن بصورة غير مألوفة، مثلاً تغادر نورا ويلحق بها يحيى ينزل من الدرج، عند بوابة العمارة يمسك بها تثور العواطف يكون عناق حار يتحول إلى مشهد ساخن الحدث، هو مشهد ساخن وأكثر إنسانية ومعبر بشكل أكبر، بعيداً عن المعتاد في الأفلام المصرية، حيث نرى في الكثير من الأفلام العشيقة، أو المومس، ترقص لصاحبها ثم يكون الفعل، لكن هنا نورا تعرب عن لذتها، هي شجاعة في الإفصاح والتلذذ مع يحيى كحبيب، رغم أنها متزوجة، تنحاز للذة والحب، وتثور على الزوج الشكلي الشرعي معتبرة إياه “زبون”، هي تضحي بسمعتها ولا تصارح يحيى بأنها زوجة وأن علاقتها به كحبيب وعشيق تجعلها تشعر بكيانها ووجودها كإنسانة يحق لها التمتع بالحياة واللذة، حتى وإن كان ذلك مخالفا لعادات وتقاليد المجتمع.

في الختام نقول من الصعب إيجاز جماليات هذا الفيلم في مقال، وهذه النقاط هي ملاحظات سريعة حول الفيلم باعتباره نموذجا فريدا يحوي مضامين فلسفية رائعة، ورؤية عميقة لواقعنا، يعترف بنا، ويميط القناع عن الكثير من المتغيرات التي تعصف بنا، يحاول التعمق بالروح الإنسانية، يبتعد عن المباشرة والإســفاف في الطرح، يقدم لغة سينمائية راقية تدل على عبقرية المخرج عبد السيد، الذي يرسم بكاميراه واقعا حالما واقعيا مفزعا ومثيرا، كون الكاميرا هنا أداة رسم.

المشاهد الأخيرة قمة في الروعة، خصوصاً وجود يحيى وحبيبته على القارب، ثم نرى الأسماك تطفو على السطح، تبتعد الكاميرا بذكاء، نحن هنا أمام فنان يرسم لوحة مفزعة لعالم تسوده الأنانية والقسوة على الطبيعة، هي رسالة اعتراض تم تمريرها بشكل غير مباشر للتحذير من مصير التمادي وغرور الإنسان الذي يقتل هذا العالم الجميل بشكل وحشي شهواني، ربما يمكننا أن نفهمه رفضا لكل الحروب المدمرة التي يرتكبها إنسان اليوم لجني أرباح مادية رخيصة لكن خسائرها فادحة وخيمة وكارثية تنذر بفناء الكون والإنسان أيضاً.

Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s