عن الذي يقطن بين ضرس وناب.. وما زال لا يعرف

هدى حسين

هدى حسين

علامة على الوجه. علامة على الكتف. استشعارات. لا قلق الآن. علامة في باطن القدم. ثقب في الأذن. ثقب في الأنف. وثقوب كثيرة أخرى. اصطناعية. حلقان صغيرة فضية اللون. هنا وهناك. تنغرس في الثقوب المصنوعة خصيصا لذلك. علامات آثار على اليد. آثار على الأرض. آثار حثيما الروح تسكن.

لا

لا شيء. أنا بخير.

فقط

مجرد بعض انفجارات صغيرة على سطح العدس السميك الذي يُطبَخ على النار. بقاليل فقاعات تنفقئ قبل أن يكتمل تكورها. ويخرج منها بعض الهواء الساخن. تشبه أفواها بشفاه غير مشدودة تنفتح. أو براكين صغيرة على السطح السميك ما زال. المكونات: مضروب شربة وعدس وبطاطس وجزر وطماطم وبصل في الخلاط. يصب فيه المكونات التي تم غليها أولا. تصب فيه بعد أن تبرد قليلا. أي وهي ما تزال ساخنة. لكن فقدت بعض الأثر من الحرارة. كيف يحتمل الخلاط المكونات ساخنة؟ اسأل اطرق الحديد وهو ساخن لتعرف. فالأستاذ (أطرق الحديد وهو ساخن) عالم بسر صناعات أكثر صلابة من البلاستيك الشفاف.

أُشفق على الزجاج أثناء تشكيله. هذا هواء فم العامل ينصب فيه. ويدور ويدور فوق عوامل التسخين. الزجاج الساخن لين لا ينكسر. الحديد الساخن طيع لا يكسِر. أي شيء يكسر الزجاج بعد تشكيله. بعد أن يبرد أي شيء يكسره. أيها الكوب الزجاجي إن كنت ترفض أن تكون كوبا فانكسر. وكن لا شيء. اضرب دماغك في الحيط. لا شيء يطوِّع الحديد البارد. البارد كالحرب. أيها الحديد الذي تشكل وهو ساخن لن تتمكن الآن من إعادة التشكيل. أنت بارد.

ضرس عقلي خلعته لدى طبيب الأسنان. أي شيء ممكن تحت تأثير البنج. القطنة التي في فمي تمنع انسكاب الدم. اسكت أيها الدم. لا تهرب من موضع الألم. هل تتألم أيها الدم بينما أنا لا أتألم وأنت دمي؟ هل تتألم نيابة عني؟ أم هل تتألم لأنني تحت تأثير البنج؟ كان هنا ضرس وانخلع. هل انخلع عليه قلبك؟

الآن كل الأضراس الأخرى تغار. إنها الآن وحدها هي التي تطحن. هي التي يضخ اللعاب إليها سوائله. هي التي تعرق وتقوم بالعمل كله. العمل هو هو. والعمالة ناقص واحد. الأضراس المتبقية تعمل بجهد أكثر لتصل إلى نتيجة حققتها من قبل. ثقب في اللثة. فراغ اضطراري ينهيني الطبيب عن اللعب بلساني فيه. أشرب السوائل الساخنة باردة كالحديد ما بعد التشكل. باردة كزجاج الكوب.

أنا أحب العاج على جانبي خراطيم الأفيال. أحب الأفيال جدا. أستطيع الآن أن أراها تتحرك ببطء في قطيعها المترابط ذيلا لأنف. تداوير بطونها. والشعيرات القليلة النافرة على أكتافها. أقدامها الغليظة المترهلة وظهورها الانسيابية. تحرك أذنيها العريضة حركة جناحي فراشة تطير. أذناها اللتان تشبهان الأوراق العريضة لأشجار استوائية سقتها أمطار الصيف بغزارة. الفيل خنجر وفراشة وغصن وخرطوم وذيل في اتصال مستمر كحلقة في سلسلة تمشي باتجاه النهر. باتجاه حمامات التراب. بعيون صغيرة مقارنة بأجسامها. وبلونها الأزرق الرمادي شبه البنفسجي. لونها الذي يشبه العمق والاتساع والفراغ. لونها الذي أسبح فيه كذرة تسبح في الفضاء. كل هذا الحنان. ويجردون الأفيال من عاج أنيابها. ويصنعون التماثيل التي تزين غرف مكاتبهم وفتاحات الأظرف التي تشي برفاهتهم والتي يمكن بشيء من القوة والاندفاع استخدامها أيضا كمطواة. يقتلون الأفيال ويصنعون تمائم ومراود وحلي. ثقب في الجدار الهائل لجسم ضخم من أجل ذلك.

لكن الأنياب هلالات أيضا في جسد بلون الليل.. بحجم الليل. والأفيال لا تزال فراشات. الأفيال فراشات بلا هلالات في ليلها بعد خلع الأنياب.

سلمية. سلمية. سلمية. هكذا تتتابع الأفيال في الصف لتحية الصباح. سلمية بهلالين من العاج. تضع حقائبها وتتمرغ في التراب. ثم يدق ناقوس. تصعد الأفيال باتجاه مذابحها خرطوما لذيل. تتعلم كيف تجلس على رجلين. كيف تقف على رجلين. بين عصا وكرباج. تتعلم أن ترفع رؤوسها لفوق وكذلك خراطيمها بطريقة تقف بين الافتخار والتحية. بينما تصفق الجماهير لبراعة المدرب. تتعلم أن تعيش في أقفاص أو بأرجل مسلسلة بالجنازير ومثبتة في الأرض. ينقلونها من بلدة لأخرى. ينصبون لها خيام السيرك كما ينصبون الفخاخ. وفي كل مرة تنتصب الفيلة واقفة على رجلين. والجمهور يصفق للعصا والسوط في يد المدرب القدير.

الفيلة تحب الأرض.  تتقلب في التراب وقتما يسمح لها المدرب. والجماهير  تهش التراب المتناثر في الهواء بأياديها وتسعل. وتسأل المدرب أن يمنع الفيلة من هذا الفعل المضر بالتنفس. والمدرب يلسع الأرض بالسياط فتقف الفيلة على قدمين في هبّة واحدة. والجماهير تصفق للمدرب. كم هو بارع هذا المدرب. إنه أوقف الفيلة عن نثر التراب في الهواء بضربة سوط. وكم هو رحيم أيضا. لقد ضرب الأرض. برغم أن الخطأ خطأ الفيلة. الفيلة التي تثير التراب. وتقف على رجلين. وتسير في خط متتابع خرطومًا لذيل. وأذناها خفق فراشة طائرة. وأوراق شجر غابة استوائية روتها بغزارة أمطار الصيف. والتي جسمها ليل ثقيل وضخم نزعوا عن ثغره العاج الهلالية فلم يتمكن سوى من أن يبدو مبتسما.

Advertisements

One response to “عن الذي يقطن بين ضرس وناب.. وما زال لا يعرف

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s