في المسألة السياسية والاجتماعية بالمغرب

إبراهيم أزوغ

إبراهيم أزوغ

كأنه بطل خيالي خرج من حكايته في تلك اللحظة التي ظهر فيها عاريا أمام الله، وأمام المارة والعابرين للطريق هنا وهناك. أو مثل بطل أسطوري نزل مع أمطار الخير التي جادت بها السماء، ليجد لها مجاري في أرض سلا والرباط. تلك الأمطار التي لم تحسب لها الحكومات المتعاقبة على المغرب حسابا. ولم تفكر فيها تلك التي تتولى شأنها وأمورها اليوم، أو لعله خرج من باطن الأرض مثل بطل من أبطال أفلام الرعب ليثير إعجاب البعض، أو يكون مصدر سخريتهم وتقززهم وخوفهم، ويثير شفقة البعض الآخر.

يبدو “علال”، في خرجته الإعلامية الأولى، كأنه رجل من غابر الزمان، ينتظر فرصته منذ سنين طويلة ليحقق بطولته، ويُظهر في الناس “سلطته” بإنقاذ شعب أوشكَ على الغرق، بسبب تجاهل مسؤولي وطنه لمطالبه وأوضاعه وتماديهم في الدفع به إلى الغرق السريع (…). وككل بطل مجهول بين قومه قبل خروجه فيهم، فـ”علال” لم يكن يعرف قبل يوم تحديه لسيلان المطر إلى من ينتسب في هذا الوطن، ولا إلى من يلجأ، ولا من هو المسؤول عن همومه ومشاكله، كما لا أحد يعرف أصله وفصله غير أنه علال الوطن.

لسنا في حاجة إلى أن نُسائل علال ما الذي جعله ينزع عنه ملابسه التي هي كل ما يملكه في وسط شارع عام، محاولا القيام بما يجب أن تقوم به مؤسسات المصالح العامة والخاصة التي تنتظر أجور مسيريها وعمالها في آخر كل شهر، والتي تستخلصها الدولة وخزائنها عبر فواتير الماء والكهرباء والضرائب من جيوب ضعفاء لا يملكون إلا لقمة يومهم مثل علال (…) ما الذي جعله يعري عن بدنه ويقدمه خادما لهذا الوطن وأهله طوعا ومجانا على غرار أخلاق المغاربة الطيبين، الذين لا ينتظرون جزاء أو شكورا في مد سواعدهم وما ملكت أيديهم في خدمة الوطن؟. إنها قيم الصدق في المحبة والإخلاص والوفاء للوطن التي جُبل عليها وتربى المواطن المغربي، وتشربها في سلوكه ومعاملاته من ألبان الأمهات وحكايات الجدات وعصى شيخ المسيد، وحكايات الأولياء والصالحين، ومن سير الأبطال والمناضلين ممن كانت نفوسهم الطيبة تحيا وتتنفس برائحة أرض هذا الوطن، فما بخلوا في تقديمها قربانا في التعبير عن حبها وعشقها والارتباط بها (…) إنه من هؤلاء وأولئك الذين يمتلكون يمينا مطلقا أنهم مصلحون بنواياهم الحسنة وسخائهم في حب الوطن وخدمته.

إن أشدَّ ما يمكن أن يكون قاسيا ومؤلما للنفس والخاطر، ومحزنا للقلب والرأس اليوم، في عصر تحقق التقدم في الأرض، وفي غزو السماء/ الفضاء أن تجد فردا يعيش “عيشة الذبانة فالبطانة” وملؤه هذا الإيمان المطلق واليقين الأبدي أن فعله البسيط العظيم ذاك إنما في سبيل خدمة أهله وعشيرته بسخاء وتضحية مما يملكه من بقايا بدن وشمه الزمان بأعطاب الفقر والتشرد، في غياب المسؤولين والمؤسسات والشركات والحاكمين الذين بشروا “بجنة الله” في المغرب لو تولوا أمورها.. لينظروا جحيم من يعيشون في أرصفة الشوارع ومراحيض المحطات الطرقية.. ولينظروا حجم  معاناة وألم يختزنه هؤلاء.

والأدهى والأمر من هذا وذاك، أن تنقل بعض وسائل الإعلام المغربي هذا الفعل ـ صحيح ـ الهامشي الذي يجب أن تجعله محل نقاش وتداول، ومنطلقا للمساءلة، بدل تسويقه على أنه التافه الساخر والفعل المجتمعي الوضيع. ألا يعتقد الذين يسخرون من علال، أو أولئك الذين يشفقون عليه، أننا لسنا في هذا الوطن الصغير وذاك الكبير سوى مصدر للسخرية، ومثار للشقفة، ألسنا جميعا علالون في هذا الوطن.

أليست أحلام علال في اليقظة وفي المنام ببساطتها هي في الحقيقة أحلام كل فرد منا وفينا يعيش ظلم الحكام وجورهم، ويقاسي غلبة الزمان القاهر وغدره؟. أليس صورتنا التي تنعكس في مرآة كل منا في الصباح وحين نمسي؟. أليس علال صوت الحقيقة الصارخ في صمته لسنوات طوال من الإحباطات والخيبات المتتالية واليأس؟. أليس كشفا وانعكاسا حقيقيا لمغرب حقوق الإنسان ولدولة الحق والقانون ولمؤسسات الديمقراطية، وعدل وصحة الرميد (الوزير والبطاقة)؟. أليس علال حقيقة سافرة، وصرخة مدوية في وجه الحاكمين والمسؤولين من شعب صادق ملؤه الصفاء وحب الوطن؟. أليس علال حكاية، من الحكايات التي يجسدها المغاربة كل يوم بنبل تلفه السذاجة ويقيه اليقين من كل شك في أن ما يفعلونه إنما لخدمة الوطن وأهله حبا وطواعية؟.. فكم من علال فيك يا وطن؟.

Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s