بغداد المن والسلوى (3 ـ 5).. غادة العبسي

غادة العبسي

استيقظتُ على صوتها, تمدّه وتُقطّعه شدواً, هرعتُ حافيةً أرقُبها من خلف ستائر شرفة المنصور، فأبصرتُ حمامةً رمادية من حمائم “بغداد”, حطّت فوق السور ساكنةً, طويلة الرقبة, بيضاء الطَّوق, لها منقار ينحني بلطفٍ, هل هى “زاجِلة”؟ وهل حملت جدّاتُها مراسلات الحكام والسلاطين في الزمن القديم؟ أي الرسائل تحملين اليوم أيتها القُمرية؟ وممّن؟ أي رسولة محبة  حمّلوها سلاماً من الضفة الأخرى إليّ؟

على بعد خطواتٍ قليلة من ضفة “دجلة” صعَدَت نسائمٌ إلينا, تهزّ من أشجار التوت أوراقها, تغمرُ صدورنا على مهلٍ فنتنفسها بعمقٍ ونزفرها ببطءٍ في لذّة وكأنّها ريح الصَّبا, ثم دلفنا إلى قاربٍ مع الصحبة يقوده “حَيدر”, أزيز المحرك يُشعل ماء النهر, ثم يخفت تدريجياً مع أصواتنا المتحمسة, نصمت.. فنسمع لدجلة خريراً ونشتمّ له رائحة يعطفها عناق القارب الصغير, لمستُ بأناملي الماء وشعرت بأنهرٍ من المحبة والألفة باسم دجلة قد شُقّت في قلبي, آنس بجزيرة خضراء القلب فصيحة اللسان, تلتقط صوراً لي معه: الكاتبة البهية زينة بو رويسة من الجزائر.

وصلنا سريعاً إلى الضفة الأخرى، وكان في انتظارنا “المتنبي” رافعاً يده التي تمنح صكّ الشعر لأحفاده, ودواة حبرٍ تحت قدميه أُغمدت بها ريشته, تتنزّل عليهم هِبات ربة الشعر “أنخيدوانا” في يوم الجمعة المبارك من كل أسبوع حيث يقدّمون قرابين الفن المقدسة.. عن يسار أبي الطيب, ساعة “القَشلة” العثمانية الباسقة، وعن يمينه المركز الثقافي البغدادي، وبين يديه العراقيون يتطيّبون بمسك الكلمة.

الشعر.. يُلقى في الساحة أمام تمثال “المتنبي”, يبدعون في حضرته وبحورُه تتقطّر في آذاننا, بالونات وردية ترتفع إلى أعلى, تصافح أصوات الشعراء التي تحملها أوتار عود شجيّ.

اجتزنا بوابة المركز الثقافي البغدادي, وقفنا نتأمل الباحة الكبيرة حيث صور فوتوغرافية ضمن حملة توعية صحية أقامتها اليونيسيف, وحيث تُعرض الكتب النادرة لكبار الأدباء والشعراء, ثم بدأنا نتجول في أروقة المكان الأثري المكوّن من طابقين, شديد الشبه في معماره ببيوت مصر الفاطمية, يضم عدداً كبيراً من القاعات التي يحمل كل منها اسم عالم أو أديب أو فنان, ففي قاعة “جواد سليم” قراءة لقصائد للأطفال على هامش أسبوع النزاهة الوطني, وفي قاعة “مصطفى جواد” محاضرة حول رابطة الأنساب في العراق والوطن العربي, أما في قاعة “حسين على محفوظ” فدارت ندوة حول البحث العلمى ومعيار الجودة العالمي كمنهاج للتقدم, وعُرض في قاعة “ألف ليلة وليلة” الفيلم الوثائقي “سبايكر”, ثم أبهرتنا لوحات فناني بغداد في قاعة الفنون التشكيلية، إذ جسّدت ملامح الشخصية العراقية بين الواقع والخيال.

أصبوحتان شعريتان لرابطة شعراء المتنبي ومجموعة صناع الأدب أُقيمتا في قاعة “نازك الملائكة”, واستضافت قاعة “على الوردي” محاضرة عن المرأة والقانون, ثم سَمِعنا على عتبة قاعة “مسرح الشناشيل” صوتاً عذباً فيه حلاوة وفيه طلاوة, لم يكن هناك موطىء لقدم من شدة الزحام, ولكن في دقائق معدودة أفسح لنا الشباب البغدادي أماكن للجلوس، فإذا بفنانٍ عراقي أصيل هو “طه غريب” ينشد من شعر أبي فراس الحمداني ويعيد على مسامعنا ما غناه ناظم الغزالي الخالد:

أقولُ وقد ناحت بقربي حمامة:

أيا جارتا لو تشعرين بحالي؟ 

اغرورقت العيون بالدموع, واحتبست الأصوات في حناجرها وفاضت القلوب وسكرت العقول و”طه” يحرّك مِسبحته ويشجينا:

أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا

تعالَي أقاسمك الهموم تعالَي

صفّق الحضور على إيقاع الأغنية المتغيّر من الموال الحزين إلى المفرح، ولكن لم يكف دمع ثلاثتنا عن الهطول: “صباح” و”زينة” وأنا, لا ندري أي قوة في العالم بإمكانها أن تظفر بدموع مغربية وجزائرية ومصرية في ذات اللحظة على صدر بغداد, كيف يفيض القلب جمالاً وفرحاً وحزناً هكذا؟! برقت الأنوار وتوحّد غناء الجمهور مع “طه” ونبضٌ بي فوق نبضي يوشك أن يرتجّ له زجاج الشناشيل الملون!

حديقة القشلة

أعجِب بتلك الأرض وساكنيها, ففي حديقة “القشلة” يتضح حرص العامة على إلقاء الشعر الشعبي, وسوف تضم كل مظلة خشبية مجموعة من العازفين والمطربين يقدمون فنّهم لجمهورٍ مستمع متذوق, في تناغم بديع بين الفنان والمتلقّي, وبين الشاب والشيخ حيث تتوافق أذواقهما, أباريق النحاس الأصفر تزيّن حديقة القشلة، وتقف ساعتها الكبيرة المطلة على “دجلة” في ثباتٍ وعناد.

كما ينبّىء المتنبي من أخبار الأقدمين، فإن الذي يعرفه القرطاس والقلم حق المعرفة يحتفظ بصناعة الورق، إذ تضمّها ضفاف الأنهار على مر العصور, هنا سوق القراطيس حيث مستلزمات الطلاب في المدارس والجامعات, والكتب المفروشة كبضاعةٍ رائجة في الشارع العتيق.. ثم وُلدت بهجةٌ غير متوقعة, كشجرٍ أثمر لتوّه في الممشى فامتلأت أقفاصٌ برمانها ذي القشرة الصفراء على جانبي الطريق, يُعد منه العصير المفضّل لدى العراقيين في أوانه من كل عام.

رمان العراق

خطوات قليلة وتواجهنا لافتة: “مقهى الشّابندر- مقهى الشهداء- الحاج محمد الخشّالي”, نحتسي الشاي العراقي مسكوباً في أكواب صغيرة حتى الحواف مع سكّر زائد غير مذاب, نرشفه جالسين في مقاعد متراصة جنباً إلى جنب, نتأمل صورًا لزعماء وأدباء وفنانين تغطي جدران المقهى الشهير إلا قليلاً, أبرزها صورة فوتوغرافية لامرأة في زي شعبي منتصبة تمسك بعصا طويلة يغوص نصفها في الماء، ورجلٌ زوج وأب جالس يضم طفلاً في قارب الصيد الصغير, هنا يلتقي أعلام الثقافة والسياسة والفن منذ عام 1917, حيث كان المقهى جذوة للمقاومة على مرّ العصور فخرجت منه مظاهرات في أثناء الاحتلال الإنجليزي, واكتوى بنار الإرهاب فدُمّر 70% منه عام 2007, وفقد صاحبه محمد الخشالي أربعا من أبنائه وحفيداً من جرّاء الحادث الأليم.

مقهى الخشالي

وكعادة الأشقاء هنا في دار السلام, عندما يأتي ذكر مصر تخرِج الصدور ما يجيش فيها من عشقٍ لها، فحمّلني أديبٌ من “آربيل” سلاماً لها ولأهلها.

حمل قاربٌ آخر أجسادنا إلى الضفة الأخرى من النهر, وعيوننا معلقة  على المتنبي: النسخة الأحدث من أسواق عكاظ وذي مجنة وذي المجاز, أما قلوبنا فمرهونة بالعودة إلى هناك.

ثانيةً أجد حمامة جديدة على سور شرفة المنصور، تنوحُ فأقول لها: أيا جارتا لو تشعرين بحالي؟!

Advertisements

3 responses to “بغداد المن والسلوى (3 ـ 5).. غادة العبسي

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s