فراق.. محمد صالح رجب

محمد صالح رجب

يتهادى الموكب في سهولة ويسر رغم حرارة الشمس القارصة، يخترق شوارع القرية.. هدوء وسكينة يسيطران، صمت مطبق لا يقطعه سوى زفرات متناثرة هنا وهناك.. وجوه يبدو بعضها غريبا.. ثمة شئ ما جاثما على صدري يدعوني إلى البكاء، لكني لا أستطيع.. لا أدري لماذا أُطوق وأُساق هكذا كمن يُساق إلى مستشفى الأمراض العقلية.

حرارة الجو تزيد من شعوري بالضيق.. نال الإجهاد مني، لم أعد قادرا على المشي، أجر قدمي بصعوبة بالغة.. يتأبطني صديقاي في مقدمة الركب.. أبادلهما نظرات حائرة.. يعرجان بي يسارا، يتبعنا الجميع، يضيق الطريق، يزداد الموكب طولا.. صبية يتوقفون عن اللعب ويفسحون لنا الطريق تلاحقنا عيونهم البريئة.. أبواب ونوافذ توصد كلما اقتربنا منها.. تقف عربة يجرها حمار على ناصية طريق في انتظار عبور الموكب.. يتوقف الركب للحظات ثم ما يلبث أن يعاود السير.. الطريق هو ذاته.. أعرفه جيدا.. لطالما قطعته ذهابا وجيئة.

توقف الركب.. عدد غير قليل تبعنا بينما توقف الآخرون على جانبي الطرق، بعضهم استند على درابزين سلم المسجد في مواجهة الترعة.. عبرنا معدية صغيرة إلى الضفة الأخرى من تلك الترعة التي تفصل بين القرية والحقول .. ومن الحقول ترقبنا على استحياء عيون أخرى.. قدماي تغوصان في الثرى.. أشجار الصبار تتناثر هنا وهناك.. لوحات نقش عليها أسماء أناس أعرف كثيرا منهم.. اصطدمت قدماي بحجر مرتفع، كدت أتعثر، أمسك بي صاحبيّ ومنعاني من السقوط.. زقزقة العصافير تحد من وحشة المكان.. همهمات تتهادى إلى مسامعي.. وتأبي نفسي أن تصدق ما أسمعه.. هي إشاعات تناثرت منذ الصباح الباكر.. لقد مات صديقك.. أخذ كمية من المخدرات مات على أثرها.. أمر لا يصدقه عقل.. إنه من حفظة كتاب الله.. تشهد له مساجد القرية.. هذه الحشود الغفيرة هي دليل براءته.. لا أحد يعرفه مثلي.. كان معي بالأمس في ذات المكان.. فرغنا من صلاة العصر في هذا المسجد الصغير، ثم حمل كل منا كتابه صوب الطريق الترابي الذي يخترق الحقول.. راح كل منا يستذكر دروسه، وبين الحين والحين يرفع رأسه متنقلا ببصره بين الحقول وهو يعيد على نفسه ما استذكره بصوت مسموع، وعندما أوشكت الشمس على الرحيل، وتأهب الفلاحون للعودة إلى بيوتهم، اختلسنا برهة من الزمن، جلسنا سويا ننظر إلى قرص الشمس القاني وهو يتوارى خلف الأفق البعيد، وكأن روح النهار تسحب منه.. تذكرنا الموت، فعاجلني بسؤاله المتكرر وعيناه لا زالتا  معلقتين على المقابر:

ـ متى يستجيب أهل القرية ويشيدون المقابر على الطريقة الشرعية؟ لقد وصل ارتفاع البعض منها إلى ثلاثة طوابق !”.

فأجيبه بردي المعتاد: ربما طبيعة الأرض تفرض ذلك.

وعندما حل المساء وخلدت الأشياء إلى السكون.. صلينا المغرب في ذات المسجد، ثم افترقنا على موعد بلقاء.

ويتغير المكان والزمان ويبقى الوعد باللقاء قائما.. انتبهت إلى الحضور وقد تكالبوا على وضع التراب على الجسد الممدد داخل رقعة من الأرض، انفلتُ من صديقيَّ..اخترقت الجموع ورحت أنا الآخر أضع قسطا من التراب، لكني لم أتمالك نفسي فأجهشت باكيا.. لقد فقدت اليوم صديقي.

Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s